العيني

231

عمدة القاري

كاف : ابن هدبة وقيل : ابن عمر ، والغطفاني ، بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة والفاء : من غطفان بن سعيد بن قيس غيلان ، وهكذا وقع في رواية مسلم في هذه القصة من رواية الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر ولفظه : ( جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر ، لا فقعد سليك قبل أن يصلي فقال له : أصليت ركعتين ؟ قال : لا ، فقال : قم فاركعهما ) . ومن طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر نحوه ، وفيه : ( فقال له : يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما ) . هكذا رواه حفاظ أصحاب الأعمش عنه . وروى أبو داود من رواية حفص ابن غياث عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر وعن أبي صالح عن أبي هريرة قالا : ( جاء سليك الغطفاني ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقال له : أصليت ؟ قال : لا . قال : صل ركعتين تجوز فيهما ) . وروى النسائي قال : أخبرنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر ، قال : ( جاء سليك الغطفاني ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر ، فقعد سليك قبل أن يصلي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أركعت ركعتين ؟ قال : لا . قال : قم فاركعهما ) . وقال ابن ماجة : حدثنا هشام بن عمار حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار سمع جابرا ، وأبو الزبير سمع جابرا ، قال : ( دخل سليك الغطفاني المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، قال : أصليت ؟ قال : لا . قال : فصل ركعتين ) . وأما عمرو فلم يذكر سليكا . وروى أيضا عن أبي صالح عن أبي هريرة وعن أبي سفيان ( عن جابر قال : جاء سليك الغطفاني . . ) الحديث ، وروى الطحاوي من طريق حفص بن غياث عن الأعمش ، قال : سمعت أبا صالح يحدث بحديث سليك الغطفاني ثم سمعت أبا سفيان يحدث به عن جابر ، فظهر من هذه الروايات أن هذه القصة لسليك ، وأن من روى بلفظ : رجل ، غير مسمى فالمراد منه : سليك ، ففي رواية البخاري بلفظ : رجل ، كما مر ، وكذلك في رواية أبي داود كرواية البخاري ، وفي رواية الترمذي كذلك ، وفي رواية للنسائي كذلك ، وكذلك لابن ماجة في رواية . وجاء أيضا في هذا الباب من غير جابر ، وهو ما رواه الطبراني من طريق أبي صالح : ( عن أبي ذر أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقال لأبي ذر : صليت ركعتين ؟ قال : لا . . ) الحديث ، وفي إسناده ابن لهيعة . وشذ بقوله : ( وهو يخطب ) ، فإن الحديث مشهور : ( عن أبي ذر أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد . . ) أخرجه ابن حبان وغيره ، وروى الطبراني في ( الكبير ) من رواية منصور بن الأسود عن الأعمش عن أبي سفيان ( عن جابر ، قال : دخل النعمان بن قوقل ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يخطب يوم الجمعة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صل ركعتين تجوز فيهما ) . وروى الدارقطني من حديث معتمر عن أبيه عن قتادة ( عن أنس : دخل رجل من قيس المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقال : قم فاركع ركعتين ، وأمسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته ) فإن قلت : كيف وجه هذه الروايات ؟ قلت : كون معنى هذه الأحاديث واحدا لا يمنع تعدد القضية ، وأما حديث أنس ، رضي الله تعالى عنه فإنه لا يخالف كون الداخل فيه من قيس أن يكون سليكا ، فإن سليكا غطفاني ، وغطفان من قيس . قوله : ( صليت ؟ ) أي : أصليت ؟ وهمزة الاستفهام فيه مقدرة ، ويروى بإظهار الهمزة . ذكر ما يستفاد منه : قال النووي : هذه الأحاديث كلها صريحة في الدلالة لمذهب الشافعي ، وأحمد وإسحاق وفقهاء المحدثين أنه إذا دخل الجامع يوم الجمعة والإمام يخطب يستحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد ، ويكره الجلوس قبل أن يصليهما . وأنه يستحب أن يتجوز فيهما ليسمع الخطبة . وحكي هذا المذهب أيضا عن الحسن البصري وغيره من المتقدمين . وقال القاضي : قال مالك والليث وأبو حنيفة والثوري وجمهور السلف من الصحابة والتابعين : لا يصليهما ، وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي ، رضي الله تعالى عنهم ، وحجتهم : الأمر بالإنصات للإمام ، وتأولوا هذه الأحاديث أنه كان عريانا فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقيام ليراه الناس ويتصدقوا عليه ، وهذا تأويل باطل يرده صريح قوله : ( إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما ) وهذا نص لا يتطرق إليه تأويل ، ولا أظن عالما يبلغه هذا اللفظ صحيحا فيخالفه . قلت : أصحابنا لم يأولوا الأحاديث المذكورة بهذا الذي ذكره حتى يشنع عليهم هذا التشنيع ، بل أجابوا بأجوبة غير هذا . الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم أنصت له حتى فرغ من صلاته ، والدليل عليه ، ما رواه الدارقطني في ( سننه ) من حديث عبيد بن محمد العبدي : حدثنا معتمر عن أبيه عن قتادة عن أنس ، قال : دخل رجل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :